حسن بن عبد الله السيرافي
335
شرح كتاب سيبويه
أنها لا تقع مبتدأة في اللفظ فأما كونها فاعلة فقولك : بلغني أنك منطلق كأنك قلت : بلغني انطلاقك . وكونها مفعولة : عرفت أنك خارج معناه : عرفت خروجك وكونها مبتدأة قولك : عندي أن زيدا راحل معناه : عندي رحيله . كما تقول : عندي غلامه . وكونها مخفوضة : أيقنت بأنك مقيم أي بإقامتك . ولو قلت : أنك منطلق عرفت لم يجز وإن كان يجوز أن تقول : انطلاقا عرفت . لأن " إنّ " وأنّ " من خبر واحد في الأصل فاختاروا لابتداء اللفظ " إنّ " المكسورة وجعلوها بمنزلة الفعل المبتدأ به . وجعلوا " أنّ " لما تعلق بشيء قبله مما يحتاج إلى تقديمه عليه وتعليق معناه به . فإن قال قائل : فقد قال اللّه عز وجل : - وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً " 1 " و " أن " متعلقة " بتدعوا " تقديره : ولا تدعوا مع اللّه أحدا لأن المساجد للّه . وحذف اللام وقدم فصارت " أن " مقدمة في اللفظ والعامل فيها ما بعدها . فهلا أجزتم : أنّ زيدا منطلق ؟ قيل له : في " أن المساجد للّه " وجهان : لا يلزم فيهما كليهما ما ألزمت . أحدهما : أن يقال : " أن المساجد للّه " يعمل فيهما ما قبلها وهي على أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ والعامل فيهما " أوحي إلي " " 2 " . والوجه الآخر : " ولأن المساجد للّه فلا تدعوا مع اللّه أحدا " فقبلها " لام " مقدرة . وأما " أن " المخففة فيبتدأ بها اللفظ كقولك : أن تخرج خير لك ، كقوله عز وجل : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ " 3 " وأنما جاز ذلك في المخففة ولم يجز في المشددة كما ذكرنا من وقوع " أن " التي هي في معناها في التوكيد ابتداء . ومن الدليل على أنهما بمعنى واحد تقول : ظننت أنّ زيدا منطلق . فإن أدخلت اللام قلت : ظننت إنّ زيدا لمنطلق . فالمكسورة هي المفتوحة كما أنك إذا قلت : علمت زيدا منطلق : ثم قلت : علمت لزيد منطلق . فالمبتدأ والخبر هما المفعولان في المعنى . وهذا معنى قول سيبويه في الباب الذي يلي هذا في حسن تقدم " أن " المخففة " لأنها لا تزول من الأسماء والثقيلة تزول " يعني نستعمل مكانها المكسورة . ومما يمنع من تقديم " أن " المفتوحة في اللفظ في قولك : " أنك منطلق بلغني " أنها إذا تقدمت ارتفعت بالابتداء وكل مبتدأ ليس قبله شئ يتعلق به يجوز دخول " إنّ " المكسورة
--> ( 1 ) سورة الجن ، الآية : 18 . ( 2 ) سورة الجن ، الآية : 1 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 184 .